واصف جوهرية
مقدمة 16
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
رسم وختم السلطان عبد الحميد الثاني . المصدر : فلسطين في طوابع البريد 1865 - 1981 ( بيروت : دار الفتى العربي ، والقاهرة : الورشة التجريبية العربية لكتب الأطفال ، 1981 ) . مما يؤكد اعتقادنا هذا كون واصف يفتتح الكتاب الأول ( فهرست الألبوم 1 ) بالجملة التالية : أزين هذا الألبوم الذي يحتوي على مجموعة تاريخية قيمة من شخصيات واحداث مدينة القدس أبان الحكم العثماني بصورتين على صفحة الغلاف الأولى : رمز الدولة العثمانية [ . . . ] صاحب الجلالة السلطان عبد العزيز أحد ملوك الدولة العثمانية وقد خلفه بهذا المنصب العالي أخيه السلطان عبد الحميد . وصورة لنجل عطوفاء [ كذا ] رؤوف باشا متصرف القدس . التقديم هذا ، إضافة إلى طرافته الناجمة عن كونه كتب في الغالب بعد نحو خمسين عاما على نهاية الدولة العثمانية ، يعطي القارئ الانطباع بأن واصف يكتب وفي ذهنه تأريخ لمرحلة حية كما لو كان طلب منه ذلك السلطان ذاته ، أو متصرف القدس . وإن كانت طرافة البداية هذه تتماشى تماما مع أسلوب واصف في كتابة المذكرات ذاتها ، فإن عناوين فهارس الصور التي تركها مع الألبومات تشير إلى طبيعتها بشكل واضح . الألبوم الأول سمّاه " القدس في العهد العثماني لغاية 8 كانون الأول 1917 " ، وبقية الألبومات اعتبرها أجزاء مما سمّاه " تاريخ فلسطين المصور في العهد البريطاني منذ 9 كانون الأول 1917 " . أمّا محتويات الألبومات من الصور الفوتوغرافية فهي تشمل نوعا من البانوراما البشرية التي تصف حال القدس وسكانها في زمن حياة المؤلف . فنحن نرى صورا لرؤساء الطوائف الدينية ، وصورا أخرى لمتقلدي المناصب ( مثل القوّاس ، أو حراس كنيسة القيامة ، أو أفراد من الدرك ) ، وصورا لزيارات قام بها رسميون أوروبيون أو مسلمون للقدس . كل هذا موثق في الألبومات ومصنف زمنيا . فواصف افترض ، على ما يبدو ، أن مشاهد الصور سيرى الألبومات كاملة وبالترتيب الذي اختاره واصف ليستحضر أو ليشكل صورة لتاريخ القدس عامة ، ولتاريخ فلسطين خاصة . وكأن واصف أراد بذلك أن تكون الصور الفوتوغرافية المرجع التاريخي العام ، الذي من دونه لا يمكن فهم التفصيلات اليومية الواردة في المذكرات . وبالتالي فإن الصور الفوتوغرافية تضيف جانبا مهما إلى النص ذاته كونها تشكل التاريخ العام . وبهذا يكون واصف من أوائل المؤرخين الذين استندوا إلى الصورة أكثر من الوثيقة لسرد التاريخ الفلسطيني . إن وصفنا الصور بهذا الإطار يحتم علينا البدء بالصور إذا قبل الخوض في النص . وهذا أمر إذا ما فعلناه سنجد أن النص أيضا يأخذ أبعادا جديدة مرتبطة بالصور . إذ سيصبح النص مرآة لما في الصور ، ويتحول بذلك إلى نص عام تاريخي لا إلى نص خاص عائلي ؛ بمعنى أن النص سيصبح نصا شاهدا على عصر ومراقبا للأحداث أكثر كثيرا من كونه نصا شخصيا عن مشاركة مؤلفه في الأحداث . فحديث واصف عن قصصه ومغامراته الشخصية في المذكرات وضع دوما في إطار أكبر جدا من إطار عالمه الخاص ، ويقدم لنا صورة عامة لحياة والده ، ومن خلاله لحياة بعض أعيان القدس ( الحسيني ) . وبهذا المعنى فإن البعد الشخصي والعائلي يخدمه ككاتب للانتقال إلى الفضاء الاجتماعي العام . وهو بذلك لم يكتب مذكرات شخصية وإنما كتب شهادات حية عن حياة مجتمعه وسياسته مستخدما علاقاته الشخصية كمحطات ليس إلّا . وهذا الانطباع تثبته الصور الفوتوغرافية وترتيبها في الألبومات . فواصف لم يكن مصورا ، ولم يأخذ الصور الفوتوغرافية شخصيا ، وإنما جمعها من عدة مصادر وبعناية فائقة موثقا إياها كما لو كان يوثق لمشروع كبير جدا مثل تاريخ القدس في تلك الفترة .